أبي منصور الماتريدي

45

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل ، كأن هذا يخرج على البشارة : أن منهم من يؤمن به ؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم ، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به ، يؤيسه حتى لا يشتد حزنه على كفرهم . وجائز أن يكون هذا [ : أي : منهم من ] « 1 » قد يولد من بعد ، ويؤمن به ، ومنهم من يولد فلا يؤمن . وقوله : وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ يشبه أن يكون معناه : أي : على علم بما يكون منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم ، وليس عن غفلة وجهل بالفساد ، ولكن عن علم بذلك ؛ لما لا يضره فساد مفسد ، ولا ينفعه صلاح [ من يصلح ] « 2 » ، إنما عليهم ضرر فسادهم ، ولهم منفعة صلاحهم . ويحتمل أن يكون على الوعيد ، أي : عالم بفسادهم ، فيجزيهم جزاء فسادهم « 3 » ، والله أعلم . وقوله : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، تأويله - والله أعلم - أي : إن كذبت فيما أخبرتكم : أنه جاء من عند الله ، ف لِي عَمَلِي ، أي : جزاء عملي « 4 » فيما أبلغكم ، أي : فعلي وزر عملي ، وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، أي : فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله ، وهو كقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ [ هود : 35 ] ، أي : علي جرم ما افتريت إن افتريت ، وعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله . ويحتمل : ما قاله أهل التأويل : لِي عَمَلِي أي : لي ديني وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أي : لكم دينكم . أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ . تأويله - والله أعلم - أي : أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم ، ولا أنتم تؤاخذون بما دنت أنا وعملت ، وهو كقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . . . الآية [ الأنعام : 52 ] ، وقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ . . . الآية [ النور : 54 ] ، وقوله : وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ . . . الآية [ النور : 54 ] ، وكقوله : لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا . . . الآية [ سبأ : 25 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أخبر أن منهم من يستمع إليه ، يعني :

--> ( 1 ) في ب : فيمن . ( 2 ) في أ : نصلح . ( 3 ) في أ : الفساد . ( 4 ) في أ : فعلي .